رجل دولة · مهندس · رائد في الاستدامة · مؤلف وشاعر

حان وقت بناء مدن استباقية

حان وقت بناء مدن استباقية
event 15 Sep 2025 · corporate_fare الخليج
المستقبل يتطلب إنشاء منظومات حضرية قوية قادرة على مواجهة التحديات المتوقعة وغير المتوقعة. تعبّر عبارة «في المدينة، الإمكانيات لا حدود لها، والأفق بلا نهاية» عن جوهر الفرص اللامحدودة التي توفرها البيئات الحضرية. يُعد التطوير عملية مستمرة في اقتصاد المدينة، ويوفر فرص عمل كبيرة لسكانها. ومع ذلك، وفي سياق إطار التغير البيئي، تم تجاهل عوامل المرونة والاستدامة التي يجب اتباعها للحفاظ على رفاهية المجتمع بشكل صارخ.

ونتيجة لذلك، يواجه العالم تهديدات مناخية بسبب توسّع المناطق الحضرية. ومع انتقال الناس من القرى، يتوقع الخبراء أن 70% من سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول عام 2050، أي ما يعادل نحو 6.7 مليار نسمة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. ومن الطبيعي أن يشعر مخططو المدن بالقلق والانزعاج من نمو المشهد المعماري العشوائي. إذ يتطلب تحديث وتحسين البنية التحتية ما بين 3 إلى 5 تريليونات دولار سنوياً عالمياً، ما يجعل الناس أكثر عرضة لتقلبات المناخ والأضرار البيئية. ويعود ذلك إلى أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية والظواهر الجوية المتطرفة يرتبط بسوء التخطيط، وضعف الأنظمة المؤسسية، ومواد البناء، وأنماط استخدام الأراضي، ونقص الخدمات العامة الأساسية. فقد شهد العالم في عام 2023 وحده أكثر من 390 كارثة مناخية، تسببت في خسائر اقتصادية تجاوزت 250 مليار دولار.

العمل الوقائي
تحدد أهداف التنمية المستدامة أن المدن يجب أن تكون «شاملة، نظيفة، مرنة، ومستدامة». ومن هنا، ينبغي أن تركز المنهجية على هذه المفاهيم وتطوير استراتيجيات قادرة على الصمود أمام جميع الاحتمالات. وعلى الرغم من أن العديد من الخطط والبرامج والمبادرات قد تم تنفيذها من قبل الدول المتقدمة والنامية، إلا أنه يجب أيضاً التركيز على قدرة الأنظمة على التعافي والعودة إلى حالات الاستقرار السابقة في حال وقوع الكوارث.

يجب أن تمتلك المدينة القدرة على التكيّف والتعديل والتغيير استجابةً للمخاطر الداخلية والخارجية. كما يمكن للمبادرات المجتمعية الأخرى، مثل مشاريع الزراعة، والابتكارات الرقمية، والرصد البيئي القائم على البيانات، أن تتنبأ باتجاهات المناخ، ما يتيح لأصحاب المصلحة اتخاذ إجراءات في الوقت المناسب. ويمكن لهذه المبادرات حماية الأجيال القادمة، لاسيما الفئات الضعيفة مثل النساء والأطفال وذوي الإعاقة، من التهديدات المناخية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من 1.2 مليار شخص معرضون لخطر النزوح بسبب تغير المناخ بحلول عام 2050.

الحوكمة الفعالة
وبالمثل، تلعب الحوكمة القوية، التي تشمل السياسات الصديقة للمناخ والقيادة الفعالة، دوراً محورياً في حماية البيئة. ويتضمن ذلك تحفيز الممارسات المستدامة، وتطبيق آليات تسعير الكربون، وإجراء تقييمات لمخاطر المناخ. وفي الوقت ذاته، فإن الاستعداد للكوارث أمر بالغ الأهمية. إذ يُعد الاستثمار في أنظمة الاستجابة للكوارث أمراً ضرورياً للتخفيف من آثار الكوارث والطوارئ.

وقد أظهرت الدراسات أن كل دولار يُستثمر في الوقاية يوفر ما يصل إلى 7 دولارات من تكاليف الاستجابة والتعافي. إضافة إلى ذلك، فإن بناء سلاسل توريد قوية لضمان الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية أثناء الأزمات أمر بالغ الأهمية. ويجب تضمين هذه العناصر في اللوائح الحضرية لضمان الاستدامة على المدى الطويل. ومع توحّد الحكومات والمواطنين والصناعات لاعتماد استراتيجيات استشرافية، فإن ذلك يضمن أن ترث الأجيال القادمة بيئة صحية. وفي عصر تتزايد فيه حالات عدم اليقين المناخي، تحتاج المدن حول العالم إلى نهج متعدد الأبعاد لإنشاء فضاءات حضرية جاهزة للمستقبل.

وكما أن المدن تُعد مساهماً رئيسياً في انبعاثات الكربون العالمية، فإنها أيضاً يمكن أن تكون عوامل تغيير قوية. فالتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، كما أن المناطق المخصصة للمشاة، ومسارات الدراجات، والحافلات الكهربائية، وأنظمة النقل العام الفعالة يمكن أن تغيّر طريقة تنقل سكان المدن.

دور الأمم المتحدة
يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع الدول لتطوير مشاريع البنية التحتية، وتتمثل مهمته في تحسين وتعزيز ظروف المعيشة لسكان المدن والمجتمعات النازحة المتأثرة بالأحداث المناخية. ومن خلال التعاون في تطوير مشاريع معمارية خضراء ومستدامة، يلتزم البرنامج بدعم أهداف التنمية المستدامة ودمج الاستدامة في تخطيط وتمويل البنية التحتية. وتعمل الوكالة الرائدة في الأمم المتحدة على تحويل التمويل العام والخاص لدعم مبادراتها. ويُعيد مركز الطاقة المستدامة التابع لها تشكيل أنظمة الطاقة ويدفع نحو تحقيق أهداف التنمية والمناخ. كما يدعم الدول في إعداد خطط التكيّف الوطنية واستراتيجيات التنمية طويلة الأجل منخفضة الانبعاثات.

نهج المرافق الذكية
تساعد مبادرات «المرافق الذكية» التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي شركاء الأمم المتحدة والأنظمة المختلفة على بناء بنية تحتية مستدامة وممكّنة رقمياً. وبفضل وجوده العالمي الذي يمتد من جزر المحيط الهادئ إلى إفريقيا جنوب الصحراء، يتعاون البرنامج مع الحكومات والصناعات لدمج التكنولوجيا وحلول الطاقة المتجددة، ما يشكّل نسيجاً حضرياً مستداماً. وعلى مدى السنوات الماضية، سعت المدن للحصول على تصنيف «المدينة الذكية». ومع ذلك، فإن هذا المصطلح بات بحاجة إلى إعادة تعريف. فالنموذج المستقبلي يجب أن يكون ذكياً، نعم، لكنه أيضاً يجب أن يكون قادراً على الصمود ومتيناً.

* أستاذ التنمية المستدامة -الجامعة الأمريكية في الشارقة، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة

a.belhaif@ccshj.gov.ae