رجل دولة · مهندس · رائد في الاستدامة · مؤلف وشاعر

فهم البيئة الحضرية في سياقات الجنوب العالمي

فهم البيئة الحضرية في سياقات الجنوب العالمي
event 23 Dec 2025 · corporate_fare الخليج
يشهد الجنوب العالمي تحولاً حضريًا متسارعًا وغير مسبوق، يضع مدنه أمام تحديات معقدة تتعلق بالحوكمة، والبنية التحتية، والاستدامة، والعدالة الاجتماعية.
وإذا كان التحضر في الشمال العالمي قد جاء تدريجياً مدفوعاً بالصناعة والاقتصاد، فإن مدن الجنوب تواجه واقعاً أكثر هشاشة يفرض البحث عن حلول مبتكرة تنبع من البيئات المحلية، وتقوم على المشاركة المجتمعية، والعدالة المناخية، والتخطيط المتكامل.
وحقيقة (إذا اعتنى المصممون بالمساحات والفراغات الهندسية في تخطيط العمران فمن الصعب ألا ينجذب لها الناس).. تكتسب هذه الكلمات أهمية خاصة في سياق الجنوب العالمي، الذي يضم دولاً ذات ماضٍ استعماري في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من الشرق الأوسط، حيث أصبح التحضر إحدى الظواهر الحاسمة في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، وعلى عكس النمو التدريجي المدفوع بالصناعة في الشمال العالمي (أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من شرق آسيا)، تفتقر المدن هنا إلى الحوكمة والبنية التحتية والدعم الاقتصادي.

وبالنظر إلى أنه بحلول عام 2050، سيشهد الجنوب العالمي زيادة بنسبة 90٪ في سكان المناطق الحضرية على مستوى العالم، فمن الضروري تحليل التحديات المتعددة المتوقع أن يواجهها الناس واستكشاف حلول مبتكرة تنتمي للبيئات المحلية.

تكشف الدراسات عن حجم وسرعة التوسع، حيث تُعد مدن مثل دكا (بنغلاديش)، لاغوس (نيجيريا)، ومومباي (الهند) من بين أسرع المراكز الحضرية نمواً في العالم، مع تجاوز عدد سكانها 20 مليون نسمة. وبالمثل، من المتوقع أن تشهد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء زيادة سكانية بنسبة 64٪ بحلول عام 2030، مقارنة بـ 32٪ في شرق آسيا و22٪ في جنوب آسيا.

أصبح الفقر الحضري وعدم المساواة من الآفات في بنغلاديش والمكسيك ونيجيريا. في الواقع، تجاوز الفقر الحضري نظيره الريفي، وتوجد الأحياء الفقيرة بجوار الأحياء الثرية، ما يخلق اختلالاً مكانياً صارخاً. ويؤدي النمو الحضري السريع إلى تدهور بيئي، وإزالة الغابات، وتلوث الهواء والمياه، وفقدان التنوع البيولوجي.

ونظراً لأن العديد من المدن تفتقر إلى أطر تخطيط حضري متماسكة، وتعاني من الحوكمة المجزأة والاستقلال المالي المحدود، فإن ذلك يعيق تقديم الخدمات بشكل فعال. وهناك حاجة ملحة لإيجاد توازن متناغم لتجاوز ذلك القصور.

وسط كل ذلك، تمكنت بعض المدن من تجاوز أوجه القصور بخطوات ثابتة وعزيمة راسخة. على سبيل المثال، كانت مدينة بورتو أليغري في البرازيل رائدة في تطبيق الميزانية التشاركية، ما أتاح للمواطنين التأثير في الإنفاق البلدي. وقد تم تكرار هذا النموذج في مدن عبر أمريكا اللاتينية وإفريقيا، ما ساهم في تحسين الشفافية والاستجابة الحكومية.

تشير دراسة حديثة إلى أن المشاريع التي تعتمد مستويات عالية من المشاركة المجتمعية، تحقق نتائج أكثر استدامة ومرونة مقارنة بالنهج الفوقي.
لذلك، فإن تشجيع المدن الثانوية واللامركزية يمكن أن يخفف الضغط عن المدن الكبرى. في الهند، برزت مدينتا إندور وسورات كمراكز للابتكار، مع مؤشرات جودة حياة أفضل من المدن الكبرى، وكلتاهما معروفة بممارساتها البيئية المستدامة.

من المهم أن التحديات المعقدة التي تفرضها تغيرات المناخ وفقدان التنوع البيولوجي تتطلب حلولاً مترابطة يتم التوصل إليها من خلال إطار «الطبيعة والعدالة». وهذا يستدعي الحفاظ على البيئة، لما له من قيمة استراتيجية في تحقيق الأهداف البيئية.

يعترف مفهوم «الطبيعة والعدالة» بتزايد الدعوات إلى نهج الحفاظ البيئي الذي يصحح الأخطاء التاريخية. وتستند الحاجة إلى الحفاظ العادل إلى مخاوف عامة مشتركة بشأن عدم المساواة العالمية المنتشرة.

تُبرز المخاوف العالمية والأمثلة العملية مدى إلحاح وإمكانات التحول الحضري. لذلك، لتغيير المشهد على مستوى العالم، فإن الحاجة الأساسية هي التمكين المالي، حيث تحتاج الحكومات المحلية إلى مزيد من الاستقلال المالي حتى تتمكن المدن من تبني نسيج تخطيطي طويل الأمد وشامل يتماشى مع أهداف الإسكان والنقل والبيئة. وأثناء صياغة السياسات، يجب التركيز على خلق فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية للفئات الحضرية المهمشة.

في ما يتعلق بالقدرة على الصمود المناخي، يجب أن يدمج التطوير الحضري استراتيجيات التكيف في المناطق الساحلية والمناطق المعرضة للفيضانات. وبالنسبة للعديد من الدول، ليس من السهل أو الممكن التعامل مع الوضع البيئي بمفردها وبالتالي، يمكن أن تدعم التعاونات الدولية بناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، والتمويل من أجل التوسع المستدام.

التحضر في الجنوب العالمي ليس مجرد اتجاه ديمغرافي، بل هو تحول عميق في الفضاء والمجتمع. وبينما تُعد المدن بلا شك محركات النشاط الاقتصادي، يجب أيضاً النظر إليها على أنها نظم بيئية حية تتقاطع فيها العدالة والاستدامة والثقافة.

وبشكل عام، لا ينبغي أن تُبنى المدن من الخرسانة والفولاذ فقط، بل يجب أن تُنسج من تطلعات الناس. وفي الجنوب العالمي، لا تزداد هذه التطلعات بسرعة فحسب، بل إنها أيضاً متجذرة في سياق تاريخي لأن التحضر في الجنوب العالمي ليس مجرد أرقام ديمغرافية أو توسع عمراني، بل هو مسار إنساني عميق تتقاطع فيه العدالة مع البيئة، والثقافة مع التنمية. لا يمكن بناء مدن الغد بالخرسانة والفولاذ وحدهما، بل بوعيٍ يستجيب لتطلعات الناس ويعيد الاعتبار للمعرفة المحلية، ويؤسس لشراكات عالمية قائمة على العدالة والإنصاف. فالمستقبل الحضري العادل والمستدام مرهون بقدرتنا على تحويل المدن إلى نظم بيئية نابضة بالحياة، تعكس قيم الشعوب وآمالها.

* أستاذ التنمية المستدامة -الجامعة الأمريكية في الشارقة. رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة