الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ والأمن العالمي: لماذا يحتاج العالم إلى تنظيم دولي الآن
في إحدى الجامعات الرائدة في إمارة أبوظبي، دُعيت للتحدث أمام جمهور من الشباب حول تغير المناخ وتأثيراته في الصحة والتنمية والاقتصاد العالمي. وكان محور المحاضرة واضحًا: كوكب الأرض يشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة. فقد ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.1 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وأصبحت موجات الحر التي كانت تحدث مرة كل خمسين عامًا تتكرر الآن مرة كل عشر سنوات، وبشدة أكبر بكثير. ولم تعد هذه التحولات المناخية مجرد إحصاءات نظرية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يؤثر في صحة الشباب وفرصهم ومستقبلهم. ومع ذلك، لم يكن تغير المناخ وحده ما لفت انتباهي، بل النقاش المتزايد بين من يرون في الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية، ومن يخشون أن يشكل تهديدًا وجوديًا.
يعكس هذا التحول في النقاش حقيقة عالمية جديدة، مفادها أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية محايدة، بل أصبح جزءًا من أكثر القضايا إلحاحًا فيما يتعلق بمستقبل العالم. ووفقًا لاستطلاعات دولية، يعتقد 60% من الشباب أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في وظائفهم المستقبلية، بينما يشعر 40% بالقلق من احتمال تهديده لخصوصيتهم أو فرض أنماط جديدة من الحياة عليهم تتجاوز قدرتهم على التحكم فيها. ولا ينبع هذا القلق من التقنية ذاتها، بل من غياب إطار عالمي ينظمها ويضمن استخدامها بما يخدم البشرية. وهذا يثير سؤالًا طُرح مرارًا خلال المنتدى: لماذا لا توجد هيئة دولية للذكاء الاصطناعي، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
إن المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا النووية ليست مبالغة، بل أصبحت محورًا أساسيًا في النقاشات العلمية والسياسية حول العالم. فقبل إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عاش العالم حالة من الفوضى النووية؛ إذ كانت المواد الانشطارية تُنقل دون رقابة، وتُبنى المفاعلات دون معايير موحدة، وتتزايد مخاطر انتشار الأسلحة النووية. واليوم، يوجد الذكاء الاصطناعي في فراغ تنظيمي مشابه. فهو تقنية مزدوجة الاستخدام، قادرة على إحداث تحول في مجالات الطب والتعليم والطاقة، لكنها قادرة بالقدر نفسه على تمكين الأسلحة ذاتية التشغيل أو أنظمة الاختراق السيبراني المتقدمة. ويقدم نموذج الوكالة الدولية للطاقة الذرية دروسًا قيّمة في حوكمة الذكاء الاصطناعي، تشمل التحقق دون الإفصاح عن المعلومات، والاستقلالية التقنية، والمراقبة المستمرة.
غير أن التحدي الأساسي يكمن في التباين الكبير بين دول العالم في تنظيم الذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة، رغم كونها مركزًا عالميًا للتكنولوجيا، لا تمتلك قانونًا اتحاديًا شاملًا للذكاء الاصطناعي، وتعتمد بدلًا من ذلك على الأوامر التنفيذية والإرشادات التقنية، ما أدى إلى ظهور مجموعة متباينة من اللوائح التنظيمية على مستوى الولايات. وعلى النقيض من ذلك، أصدرت الصين سلسلة من اللوائح الملزمة منذ عام 2022، لتنظيم الخوارزميات والمحتوى الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتواصل تحديثها بوتيرة سريعة. وتؤدي هذه الفجوة التنظيمية بين أكبر قوتين تكنولوجيتين في العالم إلى جعل الحوكمة المحلية غير كافية، وتعزز الحاجة إلى إطار دولي موحد.
وإدراكًا لهذا الفراغ، عقدت الأمم المتحدة أول حوار عالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو 2026، بمشاركة 163 دولة وأكثر من 3,000 خبير. وكانت الخلاصة واضحة: لا تستطيع أي دولة أو شركة بمفردها تولي مسؤولية حوكمة الذكاء الاصطناعي. فهناك حاجة إلى هيئة دولية مستقلة علميًا، تتولى إصدار تقارير سنوية حول قدرات الذكاء الاصطناعي ومخاطره، ووضع قواعد واضحة لضمان استخدامه الآمن والعادل. ويمثل ذلك بداية تحرك عالمي نحو إنشاء «الوكالة الدولية للذكاء الاصطناعي»، وهي فكرة تكتسب زخمًا متزايدًا في مختلف القارات.
وقد أظهرت التجارب الحديثة أن الأنظمة الرقمية، مهما بلغت دقتها، قد تحيد عن البروتوكولات المعتمدة عندما تتفاعل البرمجيات مع ظروف غير متوقعة، أو عندما تستغل الهجمات الموجهة ثغرات خفية. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، أظهرت النماذج بالفعل سلوكيات تتجاوز حدودها المبرمجة، سواء من خلال الانحراف في التعلم، حيث تغيّر الخوارزميات قراراتها تدريجيًا دون علم المشغّلين، أو من خلال اتخاذ القرارات بالصندوق الأسود، حيث يتعذر تفسير المخرجات أو التنبؤ بها. وقد شهدت قطاعات حساسة، مثل الطيران والطاقة والنقل بالسكك الحديدية، حوادث فعلية؛ إذ تصرفت أنظمة في طائرات بوينغ بصورة مستقلة نتيجة قراءة خاطئة من مستشعر واحد، وتسببت هجمات إلكترونية في تعطيل إشارات السكك الحديدية، كما أدت برمجيات خبيثة مثل «ستوكسنت» إلى دوران أجهزة الطرد المركزي النووية بسرعات غير طبيعية دون أن يظهر ذلك على لوحات التحكم. وتكشف هذه الأحداث حقيقة أساسية، وهي أن أي نظام يعتمد على البرمجيات، ولا سيما الأنظمة القادرة على التعلم، يمكن أن يخرج عن البروتوكولات المعتمدة في لحظة واحدة. وهذا يجعل وجود إطار تنظيمي دولي صارم أمرًا لا غنى عنه، وليس خيارًا، لحماية البشرية من السيناريوهات غير المتوقعة.
وتتضاعف المخاطر إذا وقعت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في أيدي دول مارقة أو جماعات إرهابية مسؤولة عن أعمال عنف واسعة النطاق وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. فمحطات الطاقة النووية تعتمد على برمجيات شديدة الحساسية، وقد تؤدي الاختراقات المتعمدة إلى تعطيل أنظمة التبريد، أو تغيير قراءات المستشعرات، أو المساس ببروتوكولات السلامة. وفي قطاع الطيران، تعتمد الطائرات الحديثة على أنظمة الملاحة الرقمية وإدارة المحركات والاتصال المستمر بأبراج المراقبة؛ إذ يمكن لاختراق مدعوم بالذكاء الاصطناعي، قادر على التعلم وإخفاء آثاره، أن يغيّر مسارات الرحلات، أو يعطّل أنظمة الهبوط الآلي، أو يتدخل في الاتصالات بين الطيارين ومراقبي الحركة الجوية. أما في شبكات السكك الحديدية، فقد يؤدي التلاعب الموجّه بأنظمة التحكم المركزية إلى تغيير الإشارات، أو تعطيل المكابح، أو التسبب في تصادمات واسعة النطاق. وليست هذه سيناريوهات من الخيال العلمي، بل احتمالات واقعية في غياب تشريعات دولية صارمة تمنع تسرب تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى جهات خطرة.
إن ما حدث في المنتدى يعكس لحظة مفصلية على المستوى العالمي؛ فلم يعد الشباب يطرحون أسئلة تتعلق بالمناخ والصحة والأمن الغذائي فحسب، بل باتوا يتساءلون أيضًا عن الذكاء الاصطناعي ومستقبله ومخاطره وفرصه. وكما احتاج العالم إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في خمسينيات القرن الماضي لحماية البشرية من الفوضى النووية، فإنه يحتاج اليوم إلى وكالة دولية للذكاء الاصطناعي لوضع قواعد واضحة، ومراقبة الاستخدام، ومنع إساءة الاستغلال، وحماية الأجيال القادمة. وتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة، بفضل رؤيتها الاستشرافية وبنيتها التحتية الرقمية المتقدمة، بموقع يؤهلها للاضطلاع بدور ريادي في صياغة هذا الإطار العالمي، تمامًا كما فعلت في مجال الدبلوماسية المناخية.
إننا نقف اليوم أمام مبدأ عالمي جديد:
«الذكاء الاصطناعي من أجل الأمن والسلام».
يعكس هذا التحول في النقاش حقيقة عالمية جديدة، مفادها أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية محايدة، بل أصبح جزءًا من أكثر القضايا إلحاحًا فيما يتعلق بمستقبل العالم. ووفقًا لاستطلاعات دولية، يعتقد 60% من الشباب أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في وظائفهم المستقبلية، بينما يشعر 40% بالقلق من احتمال تهديده لخصوصيتهم أو فرض أنماط جديدة من الحياة عليهم تتجاوز قدرتهم على التحكم فيها. ولا ينبع هذا القلق من التقنية ذاتها، بل من غياب إطار عالمي ينظمها ويضمن استخدامها بما يخدم البشرية. وهذا يثير سؤالًا طُرح مرارًا خلال المنتدى: لماذا لا توجد هيئة دولية للذكاء الاصطناعي، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
إن المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا النووية ليست مبالغة، بل أصبحت محورًا أساسيًا في النقاشات العلمية والسياسية حول العالم. فقبل إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عاش العالم حالة من الفوضى النووية؛ إذ كانت المواد الانشطارية تُنقل دون رقابة، وتُبنى المفاعلات دون معايير موحدة، وتتزايد مخاطر انتشار الأسلحة النووية. واليوم، يوجد الذكاء الاصطناعي في فراغ تنظيمي مشابه. فهو تقنية مزدوجة الاستخدام، قادرة على إحداث تحول في مجالات الطب والتعليم والطاقة، لكنها قادرة بالقدر نفسه على تمكين الأسلحة ذاتية التشغيل أو أنظمة الاختراق السيبراني المتقدمة. ويقدم نموذج الوكالة الدولية للطاقة الذرية دروسًا قيّمة في حوكمة الذكاء الاصطناعي، تشمل التحقق دون الإفصاح عن المعلومات، والاستقلالية التقنية، والمراقبة المستمرة.
غير أن التحدي الأساسي يكمن في التباين الكبير بين دول العالم في تنظيم الذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة، رغم كونها مركزًا عالميًا للتكنولوجيا، لا تمتلك قانونًا اتحاديًا شاملًا للذكاء الاصطناعي، وتعتمد بدلًا من ذلك على الأوامر التنفيذية والإرشادات التقنية، ما أدى إلى ظهور مجموعة متباينة من اللوائح التنظيمية على مستوى الولايات. وعلى النقيض من ذلك، أصدرت الصين سلسلة من اللوائح الملزمة منذ عام 2022، لتنظيم الخوارزميات والمحتوى الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتواصل تحديثها بوتيرة سريعة. وتؤدي هذه الفجوة التنظيمية بين أكبر قوتين تكنولوجيتين في العالم إلى جعل الحوكمة المحلية غير كافية، وتعزز الحاجة إلى إطار دولي موحد.
وإدراكًا لهذا الفراغ، عقدت الأمم المتحدة أول حوار عالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو 2026، بمشاركة 163 دولة وأكثر من 3,000 خبير. وكانت الخلاصة واضحة: لا تستطيع أي دولة أو شركة بمفردها تولي مسؤولية حوكمة الذكاء الاصطناعي. فهناك حاجة إلى هيئة دولية مستقلة علميًا، تتولى إصدار تقارير سنوية حول قدرات الذكاء الاصطناعي ومخاطره، ووضع قواعد واضحة لضمان استخدامه الآمن والعادل. ويمثل ذلك بداية تحرك عالمي نحو إنشاء «الوكالة الدولية للذكاء الاصطناعي»، وهي فكرة تكتسب زخمًا متزايدًا في مختلف القارات.
وقد أظهرت التجارب الحديثة أن الأنظمة الرقمية، مهما بلغت دقتها، قد تحيد عن البروتوكولات المعتمدة عندما تتفاعل البرمجيات مع ظروف غير متوقعة، أو عندما تستغل الهجمات الموجهة ثغرات خفية. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، أظهرت النماذج بالفعل سلوكيات تتجاوز حدودها المبرمجة، سواء من خلال الانحراف في التعلم، حيث تغيّر الخوارزميات قراراتها تدريجيًا دون علم المشغّلين، أو من خلال اتخاذ القرارات بالصندوق الأسود، حيث يتعذر تفسير المخرجات أو التنبؤ بها. وقد شهدت قطاعات حساسة، مثل الطيران والطاقة والنقل بالسكك الحديدية، حوادث فعلية؛ إذ تصرفت أنظمة في طائرات بوينغ بصورة مستقلة نتيجة قراءة خاطئة من مستشعر واحد، وتسببت هجمات إلكترونية في تعطيل إشارات السكك الحديدية، كما أدت برمجيات خبيثة مثل «ستوكسنت» إلى دوران أجهزة الطرد المركزي النووية بسرعات غير طبيعية دون أن يظهر ذلك على لوحات التحكم. وتكشف هذه الأحداث حقيقة أساسية، وهي أن أي نظام يعتمد على البرمجيات، ولا سيما الأنظمة القادرة على التعلم، يمكن أن يخرج عن البروتوكولات المعتمدة في لحظة واحدة. وهذا يجعل وجود إطار تنظيمي دولي صارم أمرًا لا غنى عنه، وليس خيارًا، لحماية البشرية من السيناريوهات غير المتوقعة.
وتتضاعف المخاطر إذا وقعت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في أيدي دول مارقة أو جماعات إرهابية مسؤولة عن أعمال عنف واسعة النطاق وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. فمحطات الطاقة النووية تعتمد على برمجيات شديدة الحساسية، وقد تؤدي الاختراقات المتعمدة إلى تعطيل أنظمة التبريد، أو تغيير قراءات المستشعرات، أو المساس ببروتوكولات السلامة. وفي قطاع الطيران، تعتمد الطائرات الحديثة على أنظمة الملاحة الرقمية وإدارة المحركات والاتصال المستمر بأبراج المراقبة؛ إذ يمكن لاختراق مدعوم بالذكاء الاصطناعي، قادر على التعلم وإخفاء آثاره، أن يغيّر مسارات الرحلات، أو يعطّل أنظمة الهبوط الآلي، أو يتدخل في الاتصالات بين الطيارين ومراقبي الحركة الجوية. أما في شبكات السكك الحديدية، فقد يؤدي التلاعب الموجّه بأنظمة التحكم المركزية إلى تغيير الإشارات، أو تعطيل المكابح، أو التسبب في تصادمات واسعة النطاق. وليست هذه سيناريوهات من الخيال العلمي، بل احتمالات واقعية في غياب تشريعات دولية صارمة تمنع تسرب تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى جهات خطرة.
إن ما حدث في المنتدى يعكس لحظة مفصلية على المستوى العالمي؛ فلم يعد الشباب يطرحون أسئلة تتعلق بالمناخ والصحة والأمن الغذائي فحسب، بل باتوا يتساءلون أيضًا عن الذكاء الاصطناعي ومستقبله ومخاطره وفرصه. وكما احتاج العالم إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في خمسينيات القرن الماضي لحماية البشرية من الفوضى النووية، فإنه يحتاج اليوم إلى وكالة دولية للذكاء الاصطناعي لوضع قواعد واضحة، ومراقبة الاستخدام، ومنع إساءة الاستغلال، وحماية الأجيال القادمة. وتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة، بفضل رؤيتها الاستشرافية وبنيتها التحتية الرقمية المتقدمة، بموقع يؤهلها للاضطلاع بدور ريادي في صياغة هذا الإطار العالمي، تمامًا كما فعلت في مجال الدبلوماسية المناخية.
إننا نقف اليوم أمام مبدأ عالمي جديد:
«الذكاء الاصطناعي من أجل الأمن والسلام».